الشيخ محمد هادي معرفة
182
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وفي لفظ ابن الأثير : تكفي الإخاذة الراكب ، وتكفي الإخاذة الراكبين ، وتكفي الإخاذة الفئام من الناس . قال : والإخاذ ككتاب : مصنع للماء يجتمع فيه . والفئام : الجماعة الكثيرة « 1 » . ويعني بالأخير ( لأصدرهم ) الإمام أمير المؤمنين ، عليه صلوات المصلّين ؛ حيث كان - سلام اللّه عليه - ينحدر عنه السيل ولا يَرقى إليه الطير « 2 » . قال مسروق : « انتهى العلم إلى ثلاثة : عالم بالمدينة عليّ بن أبي طالب ، وعالم بالعراق عبد اللّه بن مسعود ، وعالم بالشام أبي الدرداء ، فإذا التقوا سأل عالم الشام وعالم العراق عالم المدينة وهو لم يسألهم » « 3 » . قال الأستاذ محمد حسين الذهبيّ : الحقّ أنّ الصحابة كانوا يتفاوتون في القدرة على فهم القرآن وبيان معانيه المرادة منه ؛ وذلك راجع إلى اختلافهم في أدوات الفهم . فقد كانوا يتفاوتون في العلم بلغتهم ، فمنهم الواسع الاطّلاع المُلمّ بغريبها ( كعبد اللّه بن عبّاس ) ، ومنهم دون ذلك ، ومنهم من لازم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فعرف من أسباب النزول ما لم يعرفه غيره ( كعليّ بن أبي طالب عليه السلام ) . أضف إلى ذلك أنّ الصحابة لم يكونوا في درجتهم العلميّة ومواهبهم العقليّة سواءً ، بل كانوا مختلفين في ذلك اختلافا عظيما « 4 » . هذا عَديّ بن حاتم « 5 » ، العربيّ الصميم ، حَسِب من قوله تعالى : « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ . . . » « 6 » أنّه تمايز أحد خيطين : أبيض
--> ( 1 ) - . النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ، ج 1 ، ص 28 . ( 2 ) - . راجع : نهج البلاغة ، الخطبة الشقشقيّة ، رقم 3 . ( 3 ) - . راجع : تاريخ دمشق لابن عساكر ، ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب ، ج 3 ، ص 51 ، رقم 1086 . ( 4 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 1 ، ص 35 و 36 . ( 5 ) - . هو ابن حاتم الموصوف بالجود الذي يُضرب به المثل ، وفد على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سنة تسع . كان جوادا شريفا في قومه . وكان ثابت الإيمان راسخ العقيدة ، روي عنه أنّه قال : ما دخل عليّ وقت صلاة إلّا وأنا مشتاق إليها . وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يكرمه إذا دخل عليه . قال الشعبيّ : أرسل إليه الأشعث يستعير منه قدور حاتم فملأها وحملها الرجال إليه . فقال : إنّما أردناها فارغة ، فقال عديّ : إنّا لا نعيرها فارغة . كان منحرفا عن عثمان ، ثابتا مع أمير المؤمنين عليه السلام فُقِئَت عينه يوم الجمل وقتل ابنان له في ركاب عليّ عليه السلام وشهد صفّين بنفسه . تُوفّي سنة 67 ه . بالكوفة أيّام المختار ، وله مائة وعشرون سنة ( أُسد الغابة ، ج 3 ، ص 392 - 394 ) . ( 6 ) - . البقرة 187 : 2 .